
ذ. عبد الحق لمهى، باحث في الأدب العربي
يُعد طه حسين من رواد النقد الأدبي في العالم العربي، فهو أزهري التكوين؛ تعلم مجموعة من العلوم في الأزهـر المصري، كما انفتح على الفكر الغربي من خلال دراسته في الخارج.
تذكر بعض الكتابات أن المفكر والأديب الكبير طه حسين تأثر كثيرًا بأحد أساتذته، خاصة في الذوق النقدي الأدبي. إذن، فما هي ملامح التفكير لدى هذه الشخصية العربية التي يمكن وصفها بالمثقف العضوي -على حد تعبير “غرامشي “؟
أُثير نقاش واسع في العالم العربي حول فكر طه حسين وشخصيته؛ بين مناصرين له ولما جاء به من ثورة نقدية، وبين تيار آخر معارض يصف فكره بالمغرض الذي يروم النيل من تراث الأمة العربية والإسلامية. وهناك رأي ثالث يقف موقفاً وسطاً؛ فيتعامل مع فكر طه حسين بنوع من النظر النقدي الذي يدور مع الدليل والحجة المنطقية، فيؤيده حيث أصاب ويعارضه حيث أخطأ وعلى أي حال، فإن النتاج العلمي لهذه الشخصية يشهد بامتلاكه منطقاً وحجاجاً قوياً في عرض مشروعه الفكري؛ فطه حسين قدم للفريقين منهجاً يحتكمون إليه في نقد أفكاره أو التوافق معها. إن الناظر في كتاب “في الشعر الجاهلي” يجد تصريحاً واضحاً باعتماد “المنهج الديكارتي” (منهج الشك) من أجل الوصول إلى إدراك الحقائق وتصحيح الرؤى؛ حيث يعلن الكاتب بوضوح أن منهجه في نقد التراث الأدبي هو الشك. أضف إلى ذلك المنهج التاريخي الذي يتوسل به الكاتب في فصول الكتاب؛ فطه حسين لم يسلك طريق “خالف تعرف” دون أسس، بل تبنى منهجاً يُمكّن القارئ من محاكمة فكره وفقاً للمعايير المعلنة.

لم يكن طه حسين ممن يعلن للقارئ ويعرض أمامه حزمة من المناهج ثم لا يجد القارئ لها أثراً عند الكتابة؛ بل يجد القارئ لطه حسين أنه كان وفياً لهذا المنهج من خلال مباحثه. فبنظرة في مبحث “الحياة الجاهلية من خلال مرآة القرآن الكريم لا من خلال مرآة الشعر الجاهلي”ـ أو كما عبر عنه المؤلف ـ، يجد القارئ حضوراً للشك في مختلف الروايات والأشعار التي صورت الحياة الجاهلية؛ فقد بذل الكاتب جهداً كبيراً في الموازنة بين الشعر الجاهلي والقرآن الكريم في تصويرهما لتلك الحياة. فحسب طه حسين، فإن كثيراً من الأوصاف والقيم التي عرضها الشعر الجاهلي لا تكاد تجدها في القرآن الكريم. ويمكن التمثيل لهذا النقاش بجانب من جوانب الموضوع؛ ففي القرآن الكريم حديث وتصوير للأمة الجاهلية ولعرب ما قبل الإسلام على أنهم قوم يتمتعون بقوة العقل والحجاج والجدال عن عقائدهم وأفكارهم، بينما الشعر الجاهلي لا يكاد يخرج عن وصف هؤلاء بأنهم قوم همج رعاع لا يعرفون علماً ولا معرفة. فالنظر في القرآن يدحض ويرد مزاعم الشعر العربي في وصف الحياة الجاهلية، وهو كتاب له العصمة والقداسة التي ليست للشعر بطبيعة الحال.
هل نجح الكاتب في إقناع قرائه ومتابعيه بإعمال المنهج التاريخي في النقد الأدبي والشعري خاصة؟ أحاول تقديم إجابة من خلال مبحثين أرى أن بينهما تداخلاً معرفياً؛ يتحدث الأول عن “الشعر الجاهلي واللغة” والآخر عن “الشعر الجاهلي واللهجات” وخلاصة فكرة المبحثين أن الشعر الجاهلي الذي بين أيدي القارئ العربي هو شعر كُتب باللغة العربية الفصحى (لغة قريش والقرآن). لكن التاريخ يخبرنا أن هذه اللغة لم تكن هي اللغة السائدة الوحيدة في ذلك العصر؛ بل كانت هناك لغات ولهجات متباينة قبل مجيء الإسلام؛ فهناك اللغة الحميرية والعدنانية والعجيب في الأمر أن يتم إنتاج شعر عربي “خالص” لا يعكس هذا التنوع اللغوي الذي كان سائداً قبل الإسلام؛ فبينما يثبت البحث الحديث وجود خلاف جوهري بين لغة حمير ولغة عدنان، نجد الشعر المنسوب لليمنيين قبل الإسلام لا يختلف في شيء عن لغة قريش والقرآن. وبما أن اللغة العربية الفصحى أصبحت لغة الغالبية بعد الإسلام لاعتبارات دينية، فليس هناك ما يدعم القبول بهذا الشعر الجاهلي في صيغته القرشية الموحدة التي نُقلت إلينا. خلاصة القول، وإعمالاً لمنهجي الشك والتاريخ، يقرر الكاتب أن الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي هي شعر “منتحل” استناداً إلى أن التعدد اللغوي التاريخي لم ينعكس في هذا الشعر. ويؤكد هذا المنطقَ النقاشُ الذي ورد حول شعراء معينين، مثل “امرئ القيس”؛ حيث اجتمع الشك في سيرته المضطربة، ومنه، الشك في نسبة ذلك الشعر “القرشي الفصيح” إليه وهو الشاعر اليماني الكندي.
سواء اتفق القارئ مع الكاتب طه حسين فيما ذهب إليه من الآراء النقدية الأدبية أو اختلف معه، فليس ذلك بضائر؛ ولكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن رائد النقد قد قدم مطارحة علمية رفيعة المستوى تقوم على وضوح المنهج المتبع، وعلى قوة الحجة والدليل والقدرة على إثبات مواقفه والدفاع عنها. وربما لم يجد القارئ هذه المنهجية المتماسكة عند من انتقده واختلف معه إلى درجة “تكفيره” أو اتهامه بمحاولة النيل من التراث.
من جهة أخرى، وإذا سمح المقام بإبداء رأي من زاوية نظر مغايرة، فإنه يمكن القول إن التاريخ يستقي معلوماته من وثائق بحسب ما تيسر للمؤرخ منها؛ وبناءً على هذا، فإنه إذا افترضنا وجود مؤرخ استطاع الوصول إلى وثائق تثبت حقائق جديدة، وترصد جوانب أخرى لم تكن قد تحصلت لطه حسين، فإن ما جاء به الناقد العربي سيعرف “تحولاً” آخر، يقتضي من العمل النقدي إعادة النظر في النتائج العلمية التي خلص إليها.



